السيد المرعشي

249

شرح إحقاق الحق

دائما يردد في نفسه ما لم يخفه عن أحبابه : من طلب الجنة سارع إلى الطاعات ، ومن أشفق من النار ، رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها . وتأبى نفسه الكريمة إلا أن تلتحف بأديم الأرض وتؤثر خبزا غير مأدوم ، متحففة من زاد الدنيا ضاربة بها عرض الحائط لا تلوي على شئ فيها ، متزودة للآخرة متأهبة للرحيل ، منتظرة لقاء الحق أية لحظة ، لأن جوار الكريم ضالة منشودة ، ونهاية محمودة ينشرح لها صدور المؤمنين المتقين . كان أحب الأسماء إليه أبو تراب الذي أسماه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد أبى أن ينزل قصر الإمارة بالكوفة وهو أمير ، ثم آثر عليه الأرض الخلاء العراء البراح وقال : قصر الخبال لا أنزله أبدا . ليس هذا فحسب إنما يلتذ من خشن الملبس ، قائلا في نفسه : إن الزهد يصرف عنه ، ويساعده على الخشوع في الصلاة ، إن الذي يركن إلى الدنيا مثله كمثل من يركن إلى جدار متصدع منهار ، قال تعالى في كتابه الكريم : ( والعاقبة للتقوى ) ( والعاقبة للمتقين ) . والترف واللهو مطمع النفوس الدنيئة التي ترغب العاجلة ، ولا تلقي بالا للآجلة ، هذا هو عين الضيق الفكري والعقلي معا . وقال الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني المصري في " المدخل إلى التصوف " ( ص 53 ط دار الثقافة بالقاهرة ) : وكان علي مثلا بارزا في الزهد والتقشف والدعوة إليهما ، فقال لعمر بن الخطاب : إذا أردت أن تلقى صاحبك ، فاقع قميصك ، واخصف نعلك ، وقصر أملك ، وكل دون الشبع . وقد قال عنه ابن عيينة : إنه كان أزهد الصحابة ، وشهد له الإمام الشافعي بأنه كان عظيما في الزهد .